• السيد عمار الحكيم : كثيرا ما يكون المعترضين والمنتقدين للمسؤول أصدقاء ومحبين ومشفقين وحريصين

    2012/ 05 /03 

    السيد عمار الحكيم : كثيرا ما يكون المعترضين والمنتقدين للمسؤول أصدقاء ومحبين ومشفقين وحريصين

    تحدثنا في الأسابيع الماضية عن النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة وذكرنا أن عهد أمير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر يمثل اختزالا لهذه النظرية ، وذكرنا أن المنظومة القيادية في الرؤية الإسلامية لا تعني الرئيس والوزير والدرجات الخاصة من كبار المسؤولين وانما تمتد لتشمل كل منظومة وكل شخص يتصدى لموقع من مواقع المسؤولية ، أن يكون رئيسا لمعمل أو شركة أو مشروعا أو منظمة من المنظمات أو قد يكون رب أسرة فهو أيضا موقع من مواقع القيادة والإدارة والتصدي وان كان في دائرة ضيقة ، فهذه الضوابط والمعايير التي تحدث بها أمير المؤمنين (ع) لا تختص بجماعة نخبوية بل تمتد لتشمل كل قطاعات المجتمع وكلما كانت المسؤولية أعظم كلما كان توافر هذه الشروط في هذا الإنسان أشد وأدق .
     انتهينا الى المقطع الثامن من مقاطع هذا العهد والذي يتحدث فيه أمير المؤمنين عن مستشاري المسؤول ، القائد ، المتصدي وما هي السمات والصفات التي يجب ان تتوفر في المستشار ، بعد ان تحدث في المقطع السابع عن ضرورة تغليب مصالح العامة من الناس على مصالح الخواص والارستقراطيين من ذوي المصالح الخاصة ، على المسؤول إرضاء العامة ، الرأي العام ، أبناء الشعب ، المواطنين ، عليك ان تكون في خدمة الوطن والمواطن .

    على المسؤول ان لا يقرّب المستشارين الذين يبحثون عن عورات وأسرار الناس ويحرّضونه على الآخرين ..
    الآن ندخل في المقطع الثامن وخصائص المستشارين ، يقول أمير المؤمنين (ع) " وليكن أبعد رعيتك منك وأشنئهم عندك أطلبهم لمعائب الناس " أبعد الناس عندك وأبغضهم يجب ان يكونوا أولئك الذين يذكرون الناس عندك أيها المسؤول ، هؤلاء الذين يكتبون التقارير يجب على المسؤول إبعادهم والغلظ عليهم ، كلما أبعدتهم كلما سلمت ونجحت في قيادتك  وإدارتك ، وكلما تأتي التقارير الكيدية وأصحاب المصالح الخاصة وأحطت نفسك بمستشارين يحرضوك على الناس ويكشفون عثرات الناس إليك ويعزلوك عن الناس ستشعر نفسك في لحظة انك معزول عن الشعب وعن المواطنين ، " وليكن أبعد رعيتك منك " لا تقرب هؤلاء ولا تسمع منهم " واشنئهم عندك " أبغضهم لديك " أطلبهم لمعائب الناس " الذين يبحثون عن عثرات الناس ، يبحثون عن المعائب يجب أن تبعّد هؤلاء عنك لأنهم يمثلون الخطر " فان في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها " الناس خطاءون وليسوا معصومين وكل منهم عنده كبوة ومشكلة ، الله يبتلي عباده بأنواع البلاء وهذه الدنيا هي دار البلاء ، الله يبتلي الإنسان بنفسه وبأهله وهذه سنة الحياة ، هذه العيوب يكون المسؤول أولى ان يسترها ، حتى لا تتبيّن الى الناس و لا ينكسر أحد ، يجب ان يستر ،  تطال الناس أو أعراضهم ، ولا احد يعرف الصحيح من الخطأ ، الوالي أحق من سترها ، المسؤول هو أحق الناس أن يستر هذه الأخطاء والعثرات ، هنا الكلام عن الخطأ الحقيقي والمشاكل الحقيقية على الوالي أن يسترها " فلا تكشفن عما غاب عنك منها " كونك مسؤول لا يحق لك أن تضع جهاز الإنصات حتى تراقب الاتصالات الهاتفية للشعب ، لا يحق لك التجسس على الناس بواسطة الكاميرات أو اللاقطات ، " فلا تكشفن عما غاب عنك منها " لا يحق ان تكشف أسرار الناس وقضاياهم الخاصة وهذا ليس من واجبك " فإنما عليك تظهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك " ، اذا كانت هناك خطيئة أو موبقة ظهرت لوحدها وانكشفت للناس هنا يجب عليك العمل على تطهير المجتمع من هذه القضية ولكن أنت تكشف أخطاء وعثرات الناس فهذا لا يجوز ، " فاستر العورة " الأساس هو الستر وليس الكشف " ولو كانت عورة وبحكم مسؤوليتك وموقعك اطلعت عليها عليك ان تسترها حتى لا تشيع ويتعرف عليها الناس ، ولكن اذا انكشفت لوحدها حينها يمكن لك ان تحتويها وتقلل من آثارها ، هذا هو الأساس في التعاطي " فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك " ، حينما تكون في موقع القوة اليوم وتكشف عورات الناس سوف يأتي اليوم الذي يكشف الله تعالى خطيئتك وعوراتك لأنك إنسان وغير معصوم عن الزلل والخطأ ،  كيف تريد أن يتعامل الله تعالى معك عليك ان تتعامل بنفس الطريقة مع من هو دونك في مساحة مسؤوليتك ، ارحم  تُرحم ، استر تُستر ، اكشف تُكشف عوراتك ، كما تدين تدان . اذاً على المسؤول ان لا يقرّب المستشارين الذين يبحثون عن عورات وأسرار الناس ويحرّضونه على الآخرين .

    دروس واضاءات من حديث أمير المؤمنين (ع) ...

    أولا / رفض مبدأ تعقب أخطاء الناس وعثراتهم .. لا يحق للإنسان أن يبحث عن المستور ويتجسس ويتلصص حتى يكتشف أسرار الناس ، المنظومة القيادية معيارها المودة والمحبة والعطف ، كشف الأسرار والفضائح وإبراز أخطاء الناس سوف لا يجعلهم صامتين بل يدافعون عن أنفسهم وهذا يربك صفو العلاقة في المجتمع و هو يعني مزيد من التراشقات والتوترات والأزمات وتأخذ القضية مدياتها الواسعة والكبيرة ، من يفضح أسرار الناس سوف يضعف وتقل هيبته وموقعه عند الناس ، الروابط القلبية والعلاقة الإنسانية تتصدع وترتبك حينما يبدأ الإنسان يكسر الحواجز ويكشف نقاط الضعف للناس .

    تشجيع المسؤول على ذكر عورات وأسرار الناس يشجع الآخرين في التسابق بهذا المنحى المرفوض والخاطيء ...

    فالقائد أو المسؤول الذي يصغي لمستشاريه وهم يجلبون له خطيئة أو سيئة أو مخالفة لأحد من الناس يشجعهم وهذه الحالة من شأنها أن تشجع الآخرين القريبين من المسؤول للتسابق في تقديم معلومة او يوظف آخرين لجلب المعلومة لكي يكون الأقرب الى المسؤول فيشيع ثقافة كشف الأسرار والفضائح للناس هنا او هناك وهذه قضية ستؤدي الى إرباك وعزل المسؤول عمن سواه وإشاعة حالة من سوء الظن ، ويصبح المسؤول لا يثق بأحد حتى من أقرب الناس له ،  يعيش عندها المسؤول نظرية المؤامرة ، وهذه تؤدي الى إشكالية كبيرة وعزلة وخوف ورعب يعيشه المسؤول لأنه يقطّع الجسور والأوصال مع الناس .

    من يبحث عن عثرات الناس وعيوبهم سوف يحرمه الله تعالى المودة والمحبة

    يقول علي (ع) في غرر الحكم ج2 ص 214 " من تتبّع خفيات العيوب  حرمه الله سبحانه مودات القلوب" من يبحث عن عثرات الناس وعيوبهم سوف يحرمه الله تعالى المودة والمحبة ويصبح القلب حجر وقاسي ، لا يوجد عطف وأحاسيس ومشاعر إنسانية ، الله يحرم الإنسان منها ‘ وهذا أثر وضعي لتتبع عثرات الناس وعيوبهم ، لذلك أيها المسؤول إذا أردت ان تنجح عليك ان تبعد الانتهازيين والنمامين وان لا تسمح لأحد ينقل لك أسرار الناس حتى لو كانت هذه الأسرار صحيحة ، حينما تبدأ هذه الظاهرة بالتفشي ويصبح كل واحد يتكلم عن سيئات الآخر فهذه من أخطر الأمور .

    قد يكون من يعترض أو ينتقد بسبب حرصه على المسؤول وعلى المشروع ..

    لاحظوا علي (ع) في هذه العبارات الكريمة يستخدم أفعل تفضيل ، ابعد رعيتك ليس البعيد بل الأبعد وأشنعهم ليس البغيض ، ماذا نفهم من ذلك هذا إشارة الى خطورة هذه الحال وتأثيراتها المدمرة على الإنسان وإنها إذا نمت داخل المنظومة القيادية أياً كانت هذه المنظومة ستكون بمثابة غدة سرطانية تنتشر بسرعة وملؤها القيح والنتن ورائحتها الكريهة ستشمل كل مكان وتملأ الأجواء ويشعر الإنسان نفسه عاجز عن مواجهتها ،  المنظومة القيادية إذا زرعت بها مثل هذه الغدد السرطانية في إشاعة العثرات والأخطاء للناس والمواطنين تكون سببا على فشل ودمار تلك المنظومة من حيث لا يشعر المسؤول ، هنا أمير المؤمنين (ع) لا يقول ابعد الناس من ينتقد ، أو أبعد الناس من يعترض عليك ، المعترضين والمنتقدين ليسوا ابعد الناس عن المسؤول ولكن هؤلاء القريبين منك الذين يكشفون عورات الناس هم أبعد الناس وابغضهم عن المسؤول  ان كنت تعرف أو لا تعرف ، إذاً الانتقاد والاعتراض يمكن ان يكون مقبولا ومسموعا والمعترض والمنتقد يمكن أن يحسن الظن به ، قد يكون من يعترض انما بسبب حرصه على المشروع وعلى المسؤول وعلى المنظومة القيادية وعلى المساحة التي تتصدى أنت لها ، ما أكثر ما يكون المعترضين والمنتقدين أصدقاء ومحبين ومشفقين وحريصين ، ليس كل من ينتقد يكون عدو او منافس ، هناك من ينتقد وهو يريد الخير والنجاح لك وللمشروع ، فالنقد والاعتراض ليس دليل بُعد وإنما إشاعة الأخطاء هو دليل البعد كما في حديث أمير المؤمنين (ع) .

    الذين يتعلمون ويتعودون على ذكر عثرات الناس لا يستطيعون التخلص من هذه الحالة ما يؤدي أن تشمل هذه النار المسؤول أيضا

    ويشير أمير المؤمنين (ع) إلى حقيقة أخرى وهي أن هؤلاء الذين يتعلمون ويتعودون على ذكر عثرات الناس وهم قريبين من المسؤول تنشأ لديهم بمرور الوقت ثقافة على كشف عثرات الآخرين وأخطائهم ولا يستطيعون التخلص من هذه الحالة ما يؤدي أن تشمل هذه النار المسؤول أيضا ، حينما يجلس معك ينتقد الآخرين وبالعكس يكشف أخطاءك حينما يكون أمام الآخرين ، وأنت في موقع المسؤولية تكون أخطاءك أكثر بحسب قدرتك الأكبر ، إذا قرّبت هؤلاء الناس في أي لحظة تراهم في الخندق الآخر ويكشفون كل أخطاءك وعثراتك ولن تستطيع عمل أي شيء .
    يقول أمير المؤمنين ج 2 ص291 " إياك ومعاشرة متتبّعي عيوب الناس فانه لم يسلم مصاحبهم منهم " اليوم صديقك وغدا شيء آخر ، اليوم يتحدث عن أخطاء الآخرين وغدا يذكر أخطاءك .

    ثانيا / ضرورة ستر العيوب من القيادي و المسؤول ، ليس للمسؤول حق أن يطلع على عيوب وعثرات الناس وكذلك من يتكلم عن الناس لا تسمح لمن ينقل لك عيوب الناس ان يتحدث بها أمامك ، كذلك حينما تنكشف لك العيوب لا تحرّض الناس وتلوّح بها لأنك سوف تفقد كل العلاقات الإنسانية وتتقطع أوصالك وتصبح معزول عن الآخرين ولا تستطيع أن تقوّي حكمك وموقعك ، " فان في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها " لا تكشف عيوب وأسرار الناس حتى لو اطلعت عليها ، وهذا كلّه من المحرمات وقد يُحدث الانهيارات الكبيرة في المجتمع وهذا خلاف ما أراده الله تعالى ، اليوم التقنيات تستخدم استخدام خاطيء في الإساءة للناس وفي تهديد الناس بعضهم لبعض ، أمير المؤمنين (ع) يقول مهما كانت هذه السيئة التي يأتي بها المستشار المقرب من المسؤول كبيرة الاّ أن  سيئة الاستماع لهذه الثغرات والعثرات والعورات تكون أكبر وأعظم من تلك الخطيئة الصادرة ، يقول أمير المؤمنين (ع) " تتبّع العيوب من أقبح العيوب وشر السيئات " أقبح العيوب هو تتبع سيئات الناس وعيوبهم ، المسؤول أولى أن يلتزم بهذا المبدأ لان المسؤول بحكم مسؤوليته له الفرصة أن يطلع على عثرات الناس أكثر من الآخرين وإذا أراد أن يفتح هذا الباب على نفسه ويكشف هذه الزلاّت والعورات سيكون معزولا ولا يكون قادرا على إنجاح مهمته القيادية .

    اخبار ذات صلة