السيد عمار الحكيم :التجاهل والتغافل عن التفاصيل الجزئية لا يعني تجاهل عن الأخطاء والاعتداء على حقوق الآخرين
كان حديثنا في الأسابيع الماضية عن النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة وذكرنا أن عهد أمير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية ، وانتهينا الى المقطع الثامن من هذا العهد وهذه الوثيقة التاريخية المهمة ، حيث يتحدث فيها أمير المؤمنين عن المستشارين وسماتهم ، على المسؤول حينما يختار المستشارين عليه ان يلاحظ هذه السمات والصفات في هؤلاء المستشارين حتى يمكن للمشروع ان ينجح وان لا يكون في هؤلاء المستشارين صفات وسمات سلبية يحولهم من أداة وسند وقوة للمسؤول الى سبب في إحباط المهمة القيادية وفي إفشال جهود المسؤول في الوصول الى النتيجة المرجوة .
على المسؤول التغافل عن الصغائر والتفاصيل الجزئية ..
هنا نصل الى سمة أخرى من سمات المستشارين كما في هذا العهد الشريف ، حيث يقول أمير المؤمنين (ع) " وتغابه عن كل ما لا يضح لك " عن كل ما لا يظهر لك ، أيها المسؤول الأمر الذي لا يظهر أمامك ولا تراه من أخطاء جزئية او قضايا هامشية وما يصدر من البعض من إساءات بسيطة بحق الدولة أو بحق المسؤول نفسه ، على المسؤول ان يتغافل عن هذه الأخطاء التي قد يقع فيها الناس من التفاصيل والجزئيات التي لا تتضح أو تتبين ، قد يحدث مرة مخالفة قانونية أو جرم مشهود أمامك يحدث هذا الأمر وعلى رؤوس الأشهاد وأمام الناس فهذا بحث آخر ، الحديث عن الأشياء غير الواضحة يجب على المسؤول ان يتغافل عنها .
التصديق بالنمامين يؤدي لضياع المسؤولية والفرصة في قيادة المهمة ..
" ولا تعجلن لتصديق ساع " الساع هو النمام ، لا تستعجل أيها المسؤول بتصديق ما ينقله النمامين والوشاة وحملة التقارير لك ، لا تتعجل بالحكم والتصديق بالتقارير الكيدية التي قد تثبت بعد ذلك بأنها غير صحيحة ويتوجب عليك حينها الاعتذار ، " فان الساعي غاش وان تشبّه بالناصحين " ، النمام من طبيعته الغش ، أصحاب التقارير يغشوك وان ظهروا لك بمظهر الناصح والحريص ، عليك أن لا ترتب الأثر على تقارير هؤلاء لان ذلك سوف يؤدي لضياع المسؤولية والفرصة في قيادة المهمة التي انت مسؤول عنها .هذه العبارات على قصرها الا أنها تعطي درس مهم للحياة .
يجب على الإنسان أن يتحلى بسعة الصدر والأفق ، لا يقف عند صغائر الأمور وذو أفق واسع وان يكون كبيرا ..
ينظر للأمور بعين ثاقبة ويتجاوز التفاصيل الصغيرة والجزئيات ، على المسؤول ان ينظر للاتجاهات والبوصلة بالاتجاه الصحيح ، أما باقي التفاصيل الجزئية والقيل والقال يجب عدم الوقوف بها حتى تنجح المهمة القيادية ويحصل التطور والتقدم في الواجبات القيادية أياً كانت ..
سعة الصدر والتعامل بعقلنة وحلم وضبط النفس وعدم الذهاب وراء الانفعالات الشخصية وتغليب المصلحة والعامة في المهمة القيادية ...هذا درس كبير من دروس علي (ع) .
أما الانغماس في التفاصيل سوف يترك اثر سلبي في نفس المسؤول وبالتالي يرى نفسه معزول عن مجتمعه ورعيته ، الاهتمام بالصغائر وهي تصدر من الجميع توصل المسؤول لان يكون معزولا حتى من أقرب الناس اليه ، وان متابعة التفاصيل سوف تفشل المهمة القيادية ،
على المسؤول أن يستحضر الأهداف الكبرى ويغض الطرف عن الجزئيات والصغائر..
يقول علي (ع) في تحف العقول " لا تداقوا الناس وزنا بوزن " لا تتعامل مع الناس بالمثاقيل ، لا تقف عن اللقطات ، " وعظموا أقداركم بالتغافل عن الدني من الأمور " ارفعوا من شأنكم وقيمتكم ، اما الأمور الدنيئة والبسيطة والجزئية اتركوها وتغافلوا عنها ،
في غرر الحكم ج2 " ان العاقل نصفه احتمال " تحمل وسعة صدر " ونصفه التغافل ، غض الطرف عن الجزئيات والصغائر ، على المسؤول أن يستحضر الاهداف الكبرى والمسائل المصيرية لتحقيق الأهداف الكبيرة في مهمته القيادية ، كما ان على الوزير أن يهتم بأمور وزارته وخدمة المواطن ،
في غرر الحكم ج6 " لا حلم كالتغافل " حلم الحليم في تغافله في هذه الجزئيات ، " ولا عقل كالتجاهل " عقل العاقل في التجاهل في هذه الجزئيات والأخطاء التفصيلية .
في غرر الحكم ج5 " من لم يتغافل ولا يغض عن كثير من الأمور تنغصت عيشته " الاهتمام بالقيل والقال ومتابعة التفاصيل فان ذلك يؤرق المسؤول وتتحول حياته الى نكد ، ويفقد الاستقرار والطمأنينة ، وينشغل عن المهمة الأساسية له في خدمة من هو مسؤول عنهم .
التغافل والتجاهل عن الصغائر دليل استقامة في السلوك ، ودليل قوة في المهمة القيادية ، ودليل التشخيص الدقيق لفقه الأولويات في المسارات ..
في نهج البلاغة ص 222 " من أشرف أعمال الكريم غفلته عما يعلم " يحاول المسؤول هنا التغافل عن الأخطاء والسلبيات الصغيرة ، هذا هو المنهج والطريق في الادارة والقيادة ، هنا أوجه ندائي للأب والأم وهما رب الأسرة لا تحاولون محاسبة أبنائكم على صغائر الأمور ماداموا هم سائرين في الطريق الصحيح ، وصغائر الأمور لها عدة معاني ومفاهيم فهي في الأسرة ليست كما في مؤسسات الدولة الكبيرة ، يجب ان ننظر للامور كلُّ بحسب ماهيتها ، البعض يرى ان التجاهل والتغافل لهذه الجزئيات انما هو دليل ضعف ، وقد يقول المسؤول كيف أكون مسؤولا اذا لم أعرف وأدرك ما يحصل في دائرتي ، واذا لم أنشر العيون لمراقبة الناس في كل مكان ، من قال ان هذا هو دليل قوة ، من قال ان التغافل مؤشر للضعف ، التغافل والتجاهل عن الصغائر دليل استقامة في السلوك ، ودليل قوة في المهمة القيادية ، ودليل التشخيص الدقيق لفقه الأولويات والأسبقيات في المسارات القيادية ، دليل انك عارف اين هي اتجاه البوصلة ولا تدع الآخرين يتحكمون بك ، لديك مهمة كبيرة عليك السير بها في الاتجاه الصحيح ، اذا التغافل والتجاهل دليل قوة وليس دليل ضعف .
في بحار الأنوار ج 71 عن علي (ع) " أشرف خصال الكرم غفلتك عما تعلم " الشريف في القوم وأشرف خصال الشريف التغافل ، انها دليل قوة وهو بذل الجهد فيما يستحق وعدم الاهتمام بالترّهات والتفاصيل الجزئية الأخرى ، ولكن يجب ان لا يفهم ان التجاهل والتغافل عن الصغائر وعن التفاصيل الجزئية لا يفهم انه تجاهل عن الأخطاء وخرق القانون والاعتداء على حقوق المواطنين وانتهاك الحرمات ، فالظلم الذي قد يقع على الناس يجب ان لا يتهاون معه ولا يسكت عنه ، مظالم تطال المواطنين ، تعامل سيء مع الناس ، هذه أمور لا يجب السكوت عنها ، الأخطاء ومخالفات القانون التجاوز على الحقوق هذه أشياء يجب الوقوف عندها ويجب معالجتها ويجب عدم السماح بان تأخذ مسارات ومديات بالشكل المفتوح ويصبح المواطن خائف على نفسه وعلى أمنه وعلى حقوقه ، هذه الأمور ليست جزئية يتغافل عنها ، هذه مسائل يجب الوقوف عندها لانها ترتبط بصميم المهمة القيادية . كذلك في موارد الشبهة يجب الوقوف وعدم الاندفاع ومحاسبة الآخرين ولعلك تحاسب إنسانا نزيها وشريفا لا يساوم ويدافع عن حقوق الناس ، هناك أناس انتهازيين لا يعجبهم العمل الصحيح ،
اعتداء ومخالفة للقانون وكسر هيبة الدولة تتطلب موقف حازم ، فيما تفاصيل وجزئيات وتقارير كيدية ومشاغبات تتطلب تريث وحكمة ..
عن رسول الله (ص) " ألزموا الحدود بالشبهات حتى لا تقعوا في ظلم الناس " ، الاتهامات والظنون والأقاويل لا يمكن اتخاذ الإجراءات وفقها ، فقد يسجن انسان مظلوم ويفقد معها عمله ثم يطلق سراحه بعد عدة أشهر ، هذا غير صحيح ، من يتحمل كل هذه المعاناة المادية والمعنوية لذلك الانسان ، الأخذ بالظنون والاتهامات والتساهل في اتهام الناس قضية خطيرة جدا ، اعتداء ومخالفة للقانون وكسر هيبة الدولة وقوف حازم ، تفاصيل وجزئيات وتقارير كيدية ومشاغبات تريث وتوقف وحكمة في التعاطي مع هذا الموضوع .
إبعاد النمامين والوشائين وأصحاب التقارير الكيدية ..
يجب إبعاد النمام والواشي لانه يسيء للمسؤول ويحرج مواقفه ويجعل المسؤول دائما غاضب على الآخرين ويعيش أزمة الثقة مع الآخرين ، الله تعالى يقول في سورة القلم " ولا تطع كل حلاف مشين هماز مشاء بنميم " رغم أنه يحلف بأغلظ الايمان فلا تطعه او تسمع لهذا النمام الذي يحاول ابعادك عن المجتمع الذي انت فيه ، لا تقربه حتى تنجح .
عن رسول الله (ص) " إياكم والنميمة " من ينم لك فانه سوف ينم عليك في يوم آخر ، النمام فايروس خطير " لا يدخل الجنة نمام " ، لا تتبعوا عثرات الناس وتوقع الناس بعضهم ببعض ، الجنة تحرم على النمام ، هذا ما يقوله رسول الله (ص) .
الشيخ المفيد في كتابه الاختصار انه جاء رجل الى أمير المؤمنين (ع) يخبره بان هناك من يتكلم ويتهجم على علي (ع) ، فأجابه علي (ع) " يا هذا ان كنت صادقا مقتناك " اذا كان كلامك صحيح فإنني أمقتك ، علي (ع) لا يسمح لأحد أن ينقل كلام الآخرين وأخطاءهم الشخصية اليه حتى وان كانت صحيحة لان من شأن ذلك مدعاة للضغينة والأحقاد ، " وان كنت كاذبا عاقبناك ، وان أحببت القليل أقلناك " وضع علي (ع) الخيارات أمام الرجل فان أراد سحب تقريره الكيدي فان العفو ينتظره ، هذا الرجل كا ن يأمل ان يكافأه علي (ع) على نقله لأخطاء الناس بحقه الشخصي ويحصل على امتيازات ، الا انه رأى عكس ما أراد " فقال اقلني يا أمير المؤمنين " أراد العفو والصفح وسحب تقريره ووشايته ، النميمة لا تؤدي الا للكراهية والعداء والأحقاد ، على المسؤول ان لا يقف عند الصغائر والأخطاء الجزئية للرعية ، هذه تربية علي (ع) .
التريث وعدم الاسراع بقبول النميمة وترتيب الأثر عليها ..
في غرر الحكم يقول علي (ع) : اياك والنميمة فانها تزرع الضغينة وتبعّد عن الله وعن الناس " بغضاء شحناء خصومة هذه آثار النميمة ، وتبعّد الانسان عن الله لانه يتخذ مواقف لا يرضى بها الله تعالى ، كما تبعّد عن الناس لانها تحدث النزاعات بين الناس ،
في بحار الأنوار ج71 عن علي (ع) " إياكم والنمائم فانها تورث الضغائن " ..نسال الله تعالى ان نتجنب ذلك ويجعلنا ان نقرب الناس ونتشاور مع الناس يقدمون لنا النصح في ما هو خير ويقربونا من الآخرين ولا يبعدونا عنهم .