السيد عمار الحكيم : زوال الدول في أربع .. تضييع الأصول والتمسك بالفروع وتقديم الأراذل وتأخير الأفاضل
كان حديثنا في النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة ، وذكرنا ان عهد أمير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية ، في هذه الوثيقة التاريخية المهمة استطاع أمير المؤمنين أن يوجد ويختزل كل ما على المسؤول ان يتعرف عليه وعلى القيادي ان يلتزم به وعلى الأمة والرعية ان تكون متماشية معه لإنجاح المنظومة القيادية ، استطاع أمير المؤمنين (ع) في هذا العهد ان يختزل هذه الرؤية المتكاملة ، ما هي الواجبات وما هي الحقوق للمسؤول من ناحية وللأمة وللشعب من ناحية أخرى . كما ذكرنا بحسب الرؤية الإسلامية ان المنظومة القيادية لا نعني بها قيادات الأمة والشعب فقط ، من هو ملك أو رئيس أو وزير أو ما شابه ذلك ، وإنما تمتد لتشمل كل المستويات القيادية ، قد يكون عميد في كلية او زعيم لعشيرة او أي عمل من الأعمال أو يكون مسؤولا عن أسرة ، وعلى الجميع ان يأخذ بهذه الأوصاف حتى يكون ناجحا في إدارته ومسؤوليته ، تحدثنا وانتهينا في المقطع السادس عن الحديث عن المحسوبية والظلم ، قلنا بان المسؤول اذا قدّم مصالحه أو مصالح أقربائه وذويه والمحسوبين عليه من حزبه وجماعته وعشيرته ، اذا قدمها على المصالح العامة ، الامتيازات والفرص والإمكانات والوجاهات ، منحها لنفسه أو ذويه أو خواصه ولم يمنحها بالسويّة لعامة الناس فيكون قد وقع في الظلم ، ثم تحدثنا عن الظلم في الإدارة والقيادة من منظور علي (ع) ، ذكرنا الحديث عن خطورة الظلم في الفهم الإسلامي ولا سيما ظلم المسؤول أو المتصدي حينما يكون في موقع المسؤولية ، كما وتحدثنا عن عدم إمكانية التبرير مهما كانت المبررات ، وتحدثنا عن حقيقة الظلم وعن العلاج المطلوب للظلم في المنظومة القيادية .
عوارض الظلم والتأثيرات التي يمكن ان يتركها الظلم من قبل الشخص المسؤول ...
يقول علي (ع) " وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم " لا يوجد شيء يبعّد الإنسان عن النعمة ويقربه من النقمة بقدر ما هو في الظلم ، الظلم أقصر الطرق الى نقمة الله وعذابه ، وأبعد الطرق الى نعمة الله ولطفه ، فان الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد " الله تعالى يسمع صوت المظلوم المضطهد "، هناك تأثيرات وعوارض دنيوية قبل الآخرة للظلم ، ولأنها من حق الناس فلا تكفي التوبة وحدها .
اضاءات من هذا الحديث الشريف ..
الظلم مدعاة لتعجيل النقمة والبلاء ..
1- في منطق علي وهو منطق الإسلام ، المسؤول حينما يظلم فانه ينزع إنسانيته ويتحول إلى وحش والى سبع ، يعتدي على الآخرين ويسيء إليهم ويتجاوز عليهم ولذلك يتخلى عن إنسانيته ، في اللحظة التي يظلم فيها المسؤول سيكون على سكة الأفول والزوال والسقوط والمسألة مسألة وقت ، هذه سنة الله تعالى ، وهو منطق الإسلام ، ما دمت تظلم ومصر على الظلم فهو مدعاة لتعجيل النقمة والبلاء أصبح قريبا ، في رؤية القرآن الكريم الظلم يؤدي الى السقوط ، الظلم يؤدي الى انهيار الأنظمة والظالم سيتعرض للعقوبة الإلهية في الدنيا قبل الآخرة ، قبل أشهر كنا نحتاج الى شرح لهذا الموضوع ولكن اليوم وبعد التحولات والربيع العربي كما يسمون ، أصبح الأمر واضحا جدا ، تحول الحاكم الذي كان يتحكم ويسعى الجميع لتحقيق وتنفيذ أوامره ويمتلك الجيوش والهيبة والأدوات ، ولكنه خلال أسابيع أصبح الشعب يريد إسقاط النظام بدون تحرك الجيوش ، كل الأمور التي يعتقد أنها كانت أذرع للدفاع عن هذا الحاكم كلها تهاوت ، اذن بالفعل الظلم له نهاية وان الله يمهل ولا يهمل والنتيجة حتمية .
كل شيء في غير موضعه .. فهو ظلم
في منطق علي (ع) " كل شيء في غير موضعه فهو ظلم ويقع في هذه العوارض التي تحدثنا عنها .
موقف غير سديد ، ليس فيه حكمة ، متسرع أو انفعالي ، هذا في غير موضعه ، هذا ظلم ، المواقف الانفعالية مصداق من مصاديق الظلم ، على المسؤول ان يكون مستقرا هادئا يدرس يتروى يتشاور ويتخذ القرار الصحيح .
النرجسيات والمزاجيات في إدارة الأمور ، هذا ظلم ، موقفك ، رأيك ، مزاجك ، يجب ان لا تفرضها على الآخرين .
التنصل عن أداء الحقوق ، هذا ظلم ، التخلف عن الإيفاء بالالتزامات والوعود والعهود ، يعرض الإنسان الى هذه العوارض والتبعات .
وضع غير الكفوء في مواضع المسؤولية ، هذا ظلم ، لان فيه ظلم الناس وظلم الموقع ، ويتراجع البلد وتتبدد الثروات والإمكانات ، هذا ظلم خطير ، تسليم المسؤولية لغير الكفوء ظلم يعرض الإنسان لهذه العوارض .
الانحراف عن المعايير والمقاييس والقوانين والالتزامات ، هل هناك منطق يتحكم في قراراتك ، ما هي هذه المعايير ، في نفس القضية هناك موقف متشدد من فلان وتساهل مع آخر ، وهذا ظلم .
الابتعاد عن مسارات الدين والعقل ، هل ان هذه الخطوة والموقف يخضع لمعايير عقلية وشرعية ـ، فان كان يخضع فهنيئا لك ، أما إذا لم يخضع فهذا ظلم .
كل شيء في غير موضعه فهو ظلم ، وإذا كان ظلم فيتعرض الى هذه التبعات التي تحدثنا عنها .
الجور وزوال الدولة متلازمان ..
يقول علي (ع) في غرر الحكم ج1 ص 267 " الظلم يدمّر الديار" لدينا العقول والإمكانات ولا يوجد حصار ولكن ليس هناك تقدم ، وهذا معناه ان هناك ظلم ، ولكن حينما نرفع الظلم سوف تكون الأمور على السكة الصحيحة . (ع) عن علي " سو التدبير يسبب التدمير" ، سوء التدبير وعدم الحكمة ومراعاة الضوابط ، انفعالات ، مواقف ارتجالية ومتسرعة يؤدي الى مثل هذه المضاعفات الخطيرة . " من جارت ولايته زالت دولته " إذا كان هناك جور وظلم يؤدي إلى زوال الدولة ، الجور وزوال الدولة متلازمان ، " تولّي الأراذل والأحداث الدول دليل انحلالها وأدبارها " ، تولي من لا ذمة له ولا ضمير ولا تاريخ له ، لا يعرف سوى مصلحته بشتى الطرق غير اللائقة وغير الأخلاقية ، هؤلاء أراذل ، وكذلك الأحداث وهم الصدفة جعلتهم في المقدمة ، نقرأ في الطغاة والظالمين السابقين ، فرصة معينة تأتيه ليكون الزعيم الأوحد والإمبراطور ولكنه لا يستطيع إدارة الامور بالشكل الصحيح لأنه لا يملك الحصانة والحصافة الكاملة وربما يفقد توازنه ، وتكون مواقفه غير مدروسة وغير ناضجة ، علي (ع) يقول تولّي الأراذل والأحداث الدول ، المسؤولية بيد شخص من الأراذل او من الأحداث انما هو دليل انحلالها وادبارها وسوف تكون هذه المسؤولية غير قادرة على تحقيق النتائج ، وتكون النتيجة تراجع وانهيارات وانحلال في الحكم .
زوال الدول في أربع .. تضييع الأصول والتمسك بالفروع وتقديم الأراذل وتأخير الأفاضل
في رواية أخرى عن علي (ع) " يستدل على إدبار الدول بأربع ضل " ، تضييع الأصول ، والتمسك بالفروع ، وتقديم الأراذل وتأخير الأفاضل " .
إذا كان في هذه الدول لا توجد ستراتيجيات ولا ضوابط ومعايير وأصول يلتزم بها ، لا توجد رؤية أو ستراتيجيات ، هناك قرارات سريعة ، الأصول ضائعة وهذه أول سمة لزوال الدولة .
كما إن التمسك بالفروع ، الانشغال بالأشياء الصغيرة وترك كبائر الأمور ، اذا تركت الكبائر والأصول وانشغل المسؤولون بالصغائر والتفاصيل الصغيرة .
كما إن تسليم الأراذل وتأخير الأفاضل ، الكفوء والنزيه والقدير ليس له مكان في المسؤوليات في الدولة ، مما يؤدي الى تركه الوظيفة والموقع ، فيما يكون من لا يحمل الشهادة والكفاءة والنزاهة يكون في موقع التصدي ، فإذا كانت مثل هذه الظاهرة في بلد من البلدان ستكون بداية الأفول والسقوط لتلك الدولة .
آهات المظلوم لا تضيع وهي ستحرق الظالم ...
في هذه العبارة أيضا نجد أن أمير المؤمنين (ع) يشير الى قضية مهمة وهي ان الظلم له موقع في نظام الكون حيث أن آهات المظلوم لا تضيع وهي ستحرق الظالم مهما كان هذا الظالم .
علي (ع) يقول " من جار ملكه تمنى الناس هلكه " اذا تمنت الناس هلاك المسؤول فهي البداية للانهيارات ، لان الناس أصبحوا يتشكون من الظالم ، هذا الدعاء وهذه الشكوى تسمع من الله تعالى .
" من عامل رعيته بالظلم أزال الله ملكه وعجّل بواره وهلكه " ، الجور يؤدي الى زوال الملك والهلاك . " ما من سلطان آتاه الله قوة ونعمة فاستعان بها الى ظلم عباده ، الاّ كان حقا على الله أن ينزعها منه " . المسؤولية أمانة فإذا لم تؤدى الأمانة بالشكل الصحيح سوف يأخذها الله تعالى ، " ألم ترى إلى قول الله تعالى ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .
إذا أحسن المسؤول الأداء ضمن لنفسه الموقع بل ويأخذ الأدوار المتزايدة ، ولكن إذا قصّر المسؤول فان المشكلة به ولابد ان يترقب زوال هذه المسؤولية .
في رواية أخرى عن علي (ع) " ولئن أمهل الله تعالى الظالم فانه لن يفوته أخذه وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه ، وموضع الشجى من مجاز ريقه " في الوقت المناسب ينقض الله تعالى على الظالم ، الله تعالى اقرب إلينا من حبل الوريد لا يمكن إخفاء الوثائق والحقائق الى ما لانهاية بل ستنكشف بالتأكيد في يوم من الأيام ، وهنا يوضح امير المؤمنين (ع) كيف أن الله تعالى يقف بالمرصاد للمسؤولين الظالمين ولو بعد حين .