السيد عمار الحكيم : يجب ان يكون المسؤول متابعا ومتحريا عن الأخطاء و المفاسد وعن سلامة مفاصل منظومته
بسم الله الرحمن الرحيم


كان حديثنا في الاسابيع الماضية عن النظرية الإسلامية في القيادة والادارة وقلنا ان عهد امير المؤمنين علي (ع) لمالك الاشتر حين ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية  وانتهينا الى المقطع الحادي عشر من مقاطع هذا العهد الشريف وهي قوله (ع) " ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء " يا مالك المحسن والمسيء يجب ان لا يتساووا في التعامل فان ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان حينما تسوي فيما بين المحسن والمسيء حينما لا تفرق بين ذوي المواهب وغيرهم بين من يحسن ويسيء بين من يمضي ويسير ضمن القانون ومن لا يسير فان ذلك يؤدي الى ان المحسن المثابر المخلص  الجاد الذي يعمل ويصل الليل بالنهار من اجل مشروعه هذا الإنسان يواجه الاحباط يزهد في احسانه لا احد يقدّر..
" فان ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة " والمسيء ايضا من خلال عدم الاكتراث باساءته وعدم ملاحقته ومعاقبته يروض يتعلم على ان يكرر الاساءة ومن امن العقوبة اساء الادب ،
" وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه " ولكن عليك يا مالك ان تتعامل مع كل من المحسن والمسيء بمال الزم به نفسه المحسن عامله بالاحسان والمكافاة والمسيء عامله بالعقوبة ولايمكن ان يكون الجميع امامك سواسية ، قلنا هذه العبارة الشريفة والمقطع الشريف يشير الى اهمية العدل في التعامل من قبل المسؤول والمتصدي لمواقع الخدمة العامة والمواقع القيادية والعدل هو الانصاف والعدل هو وضع الشيء في موضعه ، الناس حينما تكون لهم قدرات ومؤهلات مختلفة يجب ان تقدر هذه الطاقات بحجمها وقدرها وحينما يكونوا مختلفين في مدى انصياعهم للقانون والتزامهم بالضوابط العامة فيجب ان يميز بين الملتزم وغيره حتى لا تضيع الامور على الناس وحتى يبقى المحسن يتنافس ويقدم المزيد من الاحسان والاعمال الصالحة والمسيء يتراجع عن اساءته وينسجم مع الخط العام ويحصل النظام وهو الاساس في ادارة المنظومة القيادية في كل مشروع .
وذكرنا بالتفصيل في اللقاء السابق وشرحنا مضامين عملية التمييز والتشخيص المطلوبة من المسؤول ثم انتهيا الى الدرس الثاني من دروس هذا المقطع وهو المكافأة او المعاقبة للمحسن والمسيء وذكرنا بعض النصوص عن علي (ع) وقلنا انه لا يوصي الآخرين ويتخلى هو عن هذه الامور وانما هو اول العاملين بذلك واستعرضنا بعض النصوص في هذا المجال ونواصل استعراض نصوص اخرى في المكافاة والتشجيع والتحفيز من ناحية لمن يقوم بعمل صالح او العقوبة والتوبيخ والتقريع لمن يسيء في اداء واجباته ومهامه .
في نهج البلاغة الكتاب الثاني يشير الى رسالة وجهها علي (ع) لأصحابه حين فتح البصرة وبعد حرب الجمل  جاء فيها " وجزاكم الله من اهل مصر عن اهل بيت نبيكم احسن مايجزي العاملين بطاعته " يشكرهم يقدرهم ، الإنسان المسؤول القائد حينما يدخل الى منازلة ويمر بازمة حينما يواجه معترك معين ويقدم توصيات ويلتزم الاتباع بهذه التوصيات يجب ان لا يعتبر ذلك واجبهم وانتهت القضية وان يرجع ويشكرهم ويقدرهم ، جيش علي (ع) حينما وقف وقاتل بجانب علي (ع) وحقق فتح البصرة في حرب الجمل عاد علي في كتابه ليشكرهم ويجزيهم عن ذلك افضل الجزاء الله تعالى يتفنن في تشجيع وتحفيز ومكافأة العاملين بطاعته ، علي (ع) يسال من الله تعالى ان يعطي لاولئك الانصار ما يعطي لعباده المخلصين والمطيعين ، لماذا كل هذا الدعاء وهذا العطاء " فقد سمعتم واطعتم " حينما أصدرت التعليمات في هذه المعركة أخذتم بها  ، وفرق كبير من يسمع ولا يكترث وبين من يستمع ويتعرف على طبيعة التوجيه ثم يلتزم ويطيع " فقد سمعتم وأطعتم " اطعتم ما سمعتموه من توجيهات " ودعيتم الى القتال " الى الحرب وتقديم الغالي والنفيس وبذل الأنفس في هذه المعركة من اجل الله ونصرة الحق ، " فاجبتم " ،  فاستحقوا بذلك دعاء علي (ع) لهم لان يشملهم الله تعالى بافضل الجزاء ، هذا في جانب المكافأة والمجازاة للفعل الصالح والطيب .
في الجانب الآخر وهذه موازنة دقيقة اذا اختلت تختل الامور كلها ، من يسيء من يتعدى الحدود من يتجاوز على الناس العقوبة الموقف الصارم ..في غرر الحكم ج2 عن علي (ع) : " من لم يصلحه حسن المداراة يصلحه حسن المكافات " الذي لم يصلحه التعامل بالمحبة والتوقير والدلال اذا لابد من اعتماد حسن المكافات والتقريع والعقوبة ، نفهم من هذا ان الاساس هو المداراة ومن لم تصلحه المداراة يصار الى المكافات أي العقوبة الاساس بالمرونة بالكلام الحسن بالتشجيع  لكن هناك أناس لا تحسن قراءة هذه الرسائل تتعامل معه بالمرونة يحملها على الضعف تتحمل منه بعض الامور يحملها على البلادة ، لا بالعكس لكنه يريد ان يتسامح معك هكذا كانوا يتعاملون مع رسول الله (ص) كانوا يسيئون للرسول وياتون بعد ذلك يقولون انهم لم يقصدوا ذلك والرسول يسامحهم ، وهم قاصدون ومرة ثانية يسامحهم مرة ثانية وخامسة ، وحينما كان الرسول (ص) يتسامح معهم يخرجون في كل مرة ويقولوا هو أذن  وما نقوله له يصدقنا !! ليس عنده قابلية فرز وتمييز !! هم يتصورن ذلك والرسول كان يعرف كل شيء ،هو أذن ، "قل أذن خير لكم " والسماء تقرع هؤلاء لان رسول الله (ص) يريد ان يتسامح معكم ويتعامل تعامل مرن وهذا لصلاحكم وخيركم ، ولكن حتى اذا يصل الامر للعقوبة والمكافات التعامل يكون بحسن المكافات ، حتى في العقوبة توجد مراتب ، آخر الدواء الكي ، العقوبة لاتاتي بها بمستوياتها العالية من اول وهلة ، احيانا الاب يربي ابنه المسيء بتجاهله تعتبر عقوبة وكذلك عدم الابتسامة وقلة الاهتمام تعتبر عقوبة احيانا ، حسن المكافات هذا درس عظيم يجب ان نتعلمه .
وأيضا  نفهم من هذه التراتبية ان العقوبة حتى حينما تحصل ويتطلب الأمر اتخاذ موقف صارم فهو ليس للتشفي والانتقام وانما خطوة تربوية ولذلك الضرورات تقدر بقدرها للتربية مثل الدواء لا نستعملها الا حين الحاجة ، فالاساس هو المداراة والعقوبة استثناء وفي العقوبة الاساس حسن المكافات ادنى مراتب العقوبة وهكذا يتصاعد الموقف ، عموم الناس أحرار في ابدانهم وفي عقولهم والناس مشاعر وعواطف " الإنسان عبيد الإحسان " تؤثر به ، لو تعاملنا بهذه الطريقة كم في واقعنا التربوي يتغير ، جزء كبير من مشاكلنا ناتجة من اننا نستخدم وسائل التقريع  بمستويات عالية يحدث رد فعل لدى الإنسان الضعيف والبسيط وغيره ، الضابط والمدير كلما ارتفعت مناصبهم ومواقعهم كلما يتعاملون بالشدة والقسوة والاهانة مع ما دونهم من المراتب حتى يثبت انه مدير او ضابط ناجح ، وهذا غير صحيح ، من قال  ان النجاح بالشتيمة بالسباب بالاساءة الى الآخرين ، لا ،  الامور يجب ان تقدر بقدرها وهذا اساس مهم يشير اليه علي (ع) .
وفي نفس السياق " من لم تصلحه الكرامة اصلحته الاهانة " اذا انت اكرمت الكريم ملكته وان انت اكرمت اللئيم تمردا ، الكريم تملكه بالكرامة ، اما اللئيم كلما تعطيه فرصة اضافية كلما يتمرد اكثر كلما يتنصل اكثر عن واجباته ولا يفيده الا التقريع ،  العقوبة نعم ولكن في مكانها وموضعها الصحيح وليس اكثر من ذلك ،
علي (ع) حينما بلغه ان بعض عماله بعض المسؤولين درجات خاصة في منظومته القيادية يرتكبون الفساد المالي يمتدون الى المال الحرام ، ما هو الدرس ، يا مسؤول لا تقل كيف اسجل ملاحظة على فلان وفلان وانا الذي عينته ، من الممكن ذلك واذا عاقبته هذه افضل تزكية لك ، انك لا تهادن فيما هو الحق والقانون والنزاهة ، فساد الناس وصلاحهم يرتبط بأخلاقهم وتربيتهم وكم من صالح يجلس على الكرسي الدوار تتغير أخلاقة بعد ان كان انسانا نزيها ، من الممكن ان يحدث ذلك ، فالانسان حتى لو كان معصوما هذا لا يعني ان المؤسسة كلها تصبح مؤسسة معصومة ، هناك أمور ترتبط بهم بالآخرين ، قد تكون هناك فساد في الوزارة رغم ان الوزير نزيها ، المشكلة في الوزير انه لا يتابع جماعته او لا يتخذ اجراء ضد الفاسدين في وزارته ، هناك قاعدة عامة تقول ان القانون لا يحمي المغفلين ، يجب ان يكون المسؤول متابعا ومتحريا عن الاخطاء وعن الفاسد وعن سلامة مفاصل منظومته ،
يقول علي (ع) للرجل المسؤول في نهج البلاغة الى بعض عماله " اما بعد فقد بلغني عنك أمر" لاحظوا الأدب في التعامل لم يقل له فساد او سرقة يقول له أمر " ان كنت فعلته " علي (ع) يجعل له خط رجعة خوفا من ان يكون التقرير كيدي  ، قبل التحري والتدقيق لا يمكن اصدار الاحكام الفورية " ان كنت فعلته فقد أسخطت ربك "  الجانب المعنوي والاخلاقي في التوبيخ ، في التقريع والتوبيخ اذكاء روح المسؤولية الشرعية في الناس ،   يجب ان تبني الواعز الديني في العاملين ذلك الواعز هو القادر على ضمان سلامة المسيرة   ، " وعصيت إمامك " إمام معصوم عصيتني وخالفت أمري ، الوازع الديني في الإدارة " وأخزيت أمانتك " وهذا ما نركز نحن عليه في حياتنا اليومية ، أخزيت أفسدت ، المسؤولية أمانة ، يا مسؤول هذا كرسي الحلاق تجلس عليه ليس لأحد ، الكل يعبرون عليه ويمضون ، في النظام الديمقراطي يعبرون لدورة او دورتين هذه الدنيا هكذا ، هذا المدخل الأخلاقي في ضبط الإيقاعات في تصحيح المسارات وتأديب الناس ، انت خنت الامانة ، " وأخزيت أمانتك " ، ثم يعطي له ما وصله في التقرير ، هناك ملفات يجب توضيحها للناس، علي (ع) بعد ان يحدد الموقف ثم يقول له ما في هذه الملفات وهذا التقرير حتى يعطيه حق الرد والدفاع عن نفسه " بلغني انك جردت الارض " عملت مسوحات في الدائرة العقارية ، ارض متروكة وليس لها احد ، في ذلك الزمان الارض يعني الأرض المزروعة ، أما غير المزروعة ليس هناك مشكلة ياخذها من ياخذها ويزرعها ، " بلغني أنك جردت الارض فأخذت ما تحت قدميك " اين مساحة مسؤوليتك صادرت الاراضي الزراعية لنفسك ، استغلال مواقع المسؤولية للمنفعة الخاصة ، استغلال الوجاهة لمآرب شخصية ومصالح خاصة ، يا مسؤول وضعوا لك هذه الحمايات حتى يحموك وليس لترهيب الناس وتخرجهم في عمليات استعراضية في مكان ما ويلوحون بالسلاح يخوفون الناس حتى يبيعوا عقاراتهم واملاكهم وتاخذها بثمن بخس لنفسك ، هذا هو منهج علي (ع) ، " وأكلت ما تحت يديك " الاراضي صادرتها واموال بيت المال الذي تحت يدك أكلتها وأخذتها ، "فارفع الى حسابك " دافع عن نفسك ديوان الرقابة المالية هيئة النزاهة " من اين لك هذا ، هذا منهج علي (ع) من اين لك هذا ، كشف المدخرات والممتلكات هذا منهج علي (ع) منهج الاسلام " فارفع الي حسابك واعلم ان حساب الله اعظم من حساب الناس " لا تتصور انتهت القصة بعقوبة الدنيا اعفاء واقالة ولكن حساب الله اعظم ، الواعز الديني في التقريع الواعز الديني في تصحيح المسارات .
في نهج البلاغة الكتاب 41 عن علي (ع) لأحد عماله وكان ابن عم له "  فلما أمكنتك الشدة " رايتنا نحن مشغولين بالحروب ، البلد في ازمات تمكنت في ظروف الازمة  ، هناك اناس يعتاشون على الأزمات ويبحث عن مصالحه ، استغلال الظرف في خيانة الأمة حينما تمد يدك على الحرام وتتجاوز صلاحياتك وتتعدى على اموال الناس " أسرعت الكرة وعاجلت الوثبة واختطفت ما قدرت عليه من اموالهم " نحن مشغولين ذهبت متسرعا ووضعت اليد على ممتلكات الناس واموالهم ، " ماقدرت عليه من اموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم " عوضوا عوائل الإرهاب قبل ان تفكروا بمصالحهم ، أسر السجناء والشهداء والضحايا يجب ان يعيشوا برغد ونعيم قبل ان يحظى بها المسؤولين ، يابن عمي رأيتني مشغول بالحروب ذهبت لضعاف الحال والمساكين والايتام والارامل ووضعت يدك على أموالهم وأخذتها واستوليت عليها ، المواطن المسكين يعاني وانت يامسؤول تبتزه وانت راتبك كبير وعالي وجيم لم هذا الجشع من البعض وليس الكل هناك أناس شرفاء في المنظومة الادارية ، لكن هناك من يمد يده الى المال الحرام ويبتز ويستغل حاجة الناس اليه ، امير المؤمنين اخذ المال هذا بالاختطاف وهو اكثر من السرقة " اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة " الذئب المسرع يرى معزى مجروحة ومكسورة ضعيفة الحال يلتقط الذئب هذه المعزى وهي لا تستطيع ان تتخلص منه ، انت مثل ذلك الذئب تذهب للفقراء وتأخذ من أموالهم وتسرع ولا احد يقدر عليك وهم يخافون على انفسهم لكنهم يشتكون عند الله تعالى ولكن انظر ماذا سيحصل لك من قبل الله تعالى ، الله اقدر على نصرة المظلوم ، " فحملته الى الحجاز " ، ينقل اليوم في بغداد بفلان منطقة هناك المسؤول الفلاني اشترى بيت كبير ، للوزير الفلاني للنائب الفلاني بكذا مليار اشتراه وينفضح مما يضطره لان يخرجها الى خارج الحدود ، وهذه ليس جديدة منذ زمن علي بن ابيطالب  يخرج الاموال  الى الحجاز " فحملته الى الحجاز رحيب الصدر بحمله " فرحان امسوي شطارة سعيد بانك سرقت الاموال من الناس " غير متادم " لم تتحرك غيرتك بعدما اخذت قوت الفقراء والمساكين ، لا تشعر حتى بالذنب تبرر لنفسك ، " كانك لا ابا لغيرك " هذه مفردة مصطلح كان يستخدم للتقريع " حدرت لأهلك " أسرعت لأهلك تبشرهم بما صار عندك من اموال ومشاريع وممتلكات " تراثك من أبيك وأمك " كأنه ارث من امك وأبيك ، هذه اموال الفقراء أخذتها بهذه الطريقة ، " فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد أو ما تخاف نقاش الحساب فاتق الله اردد الى هؤلاء القوم أموالهم " اتق الله واستغفر لربك ولكن ذلك لا يكفي الأموال عليك أن تردها لأهلها ، " فانك ان لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن الى الله فيك " انتقم منك بما يرضي الله تعالى ولصالح هؤلاء الفقراء والمساكين " ولا ضربنك بسيفي الذي ما ضربت به احد الا ودخل النار "، علي مع الحق والحق مع علي ، سيف على لا يضرب الا من هو من اهل الباطل " ووالله لو ان الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بارادة " لو كان الحسن والحسين عندهم طموحات غير مشروعة لا يحصلوها في حكم علي بن ابيطالب ، " حتى آخذ الحق منهما وأزيح الباطل عن مظلمتهما " لا توجد استثناءات  تعامل بانصاف وعدالة مع الجميع ويكافىء من يكافىء ويعاقب من يعاقب .

http://www.ammaralhakeem.com/ar/news/5935