السيد عمار الحكيم : الورع والصدق صفتين أساسيتين لحاشية المسؤول
كان حديثنا في المرات السابقة عن النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة ، وذكرنا ان عهد امير المؤمنين علي (ع) لمالك الاشتر حينما ولاه مصر يمثل اختزالا لهذه النظرية ، وقد تحدثنا عن المقاطع التسعة لهذا العهد وانتهينا الى المقطع العشر والذي يتحدث فيه علي (ع) عن الحاشية للمتصدي والمسؤول عن البطانة ، عن الفريق الذي يقترب منه ويلتصق به فكان حديثنا في المقطع التاسع عن الوزراء اي المساعدين ، في هذا الجانب يقول علي (ع) " والصق بأهل الورع والصدق" يا مالك حينما تذهب وتكون واليا من الذي تجعله لصيقا بك وتجعل نفسك لصيقا بهم من هم حاشيتك وأخلاءك وأصدقاءك من المقربين اليك ، يجب ان تتوافر فيهم صفتين أساسيتين الورع والصدق " ثم رضهم " هذه البطانة عوّدهم وروضهم على ان لا يطروك ، لا يمدحوك كثيرا حينما تكون البطانة متلفة مادحة كلما يتصدى المسؤول لعمل ما صحيحا كان او خطأ عاديا او متميزا يصفقون له ويمدحوه وهذا يوقعه في الغرور وفي إشكاليات كبيرة ،

على المسؤول ان لا يقبل لنفسه ان تكون في معرض المديح والإطراء المستمر ..
رضهم يا مسؤول انت عوّدهم ان لا يمدحوك ، لا تقبل لنفسك ان تكون في معرض المديح والإطراء المستمر لهؤلاء . " ولا يبجحوك بباطل لم تفعله " ، هؤلاء الذين يريدون ان يدخلوا السرور عليك بتصوير باطل لم يصدر منك ، هذه الصورة وهمية ، يا مسؤول البطانة المادحة سوف تجعلك في أجواء من الفرح والبهجة والسرور تنعزل عن العالم الخارجي تعيش العالم الوهمي ويصورون لك أشياء انت لا تفكر بها ولم تفعلها فليس من فعلك وليس من قولك يوهموك حتى تصدق ، لا تسمح لهم و" لا يبجحوك " لا يفرحوك لا يدخلون السرور الوهمي في قلبك " بباطل لم تفعله " لأمر انت لم تقم به وهذه الصورة وهمية وباطلة : فان كثرة الإطراء توجب الزهو " كثرة الإطراء والإعجاب والمديح والثناء توجب حالة من الزهو والعجب لدى الانسان ، ترى نفسك أحسن من الآخرين ، " وتدني من العزة " هذا الزهو والعجب والمديح والإطراء يقربك من حالة العزة والكبر ، تشعر نفسك انك اكبر من الآخرين تأخذك النشوة الكاذبة وما أخطرها وما اخطر الشعور لدى المسؤول انه مسدد ومؤيد ، كل ما يقوله ويفعله وكل ما يفكر به هم عين الصواب ! ، العصمة للانبياء ولعدد من الاوصياء أنت يا مسؤول لست معصوما واذا كانت البطانة توحي لك ذلك عليك أن لا تنغر ولا تسمح لهم ان يغروك ويأخذوك الى العالم الوهمي ، هذه النصيحة مهمة . هناك من يقول ان الشعوب هي من تصنع الطواغيت ، ثقافتنا هي التي تصنع الطاغوت حينما يكثر المديح والإطراء وحينما تتحول كل كلمة وموقف الى شيء كبير فيما انه قد لا يكون كذلك ، وحينما نسلب من المسؤول انسانيته تجعله في مقام الملائكة والأنبياء والأوصياء في مقامات عالية هو ليس منها حينذاك نقع نحن في الفخ ونوقع المسؤول في الفخ حينما يصدق المسؤول وهذه بداية الانحراف وبداية الخروج عن المسار الصحيح ولذلك البطانة الأصدقاء الحاشية الأخلاء الناس الذين يقربهم المسؤول ويقتربون منه ويلتصق بهم هذه لا يعتبرها قضية شخصية ،

على المسؤول أن يكون دقيقا في اختيار أصدقاءه والمحيطين به ..
 انت لست انسانا عاديا حتى تكون لك علاقات خاصة  انت رجل خدمة عامة ويجب ان تكون علاقاتك تخضع لمعايير دقيقة تنسجم مع الموقع الذي انت فيه ، وانت في موقع المسؤولية يجب ان تكون دقيق فيمن تختار من الأصدقاء واذا لم تستطيع قدم استقالتك لتصبح انسان عادي ، مادمت في مواقع التصدي والمسؤولية كل شيء يجب ان يخضع لحساب دقيق ومنها اختيارك للبطانة والحاشية ومن هو لصيق بك . المعايير الذي يضعها امير المؤمنين في هذا المقطع التقوى والصدق بل اكثر من التقوى الورع كما قرانا في هذه العبارات الكريمة " والصق بأهل الورع والصدق " الورع حالة اكثر من التقوى ، التقوى لا ترتكب معصية اما الورع ان تتجنب الشبهات ، الورع حالة الابتعاد عن الشبهات .

الصفة الأولى ... الورع
في غرر الحكم ج2 ص 417 يقول علي (ع) " أصل الورع تجنب الآثام والتنزه عن الحرام " لا تقترب من مظان الشبهات ومن مظان المعاصي والآثام والمحرمات ، هكذا يجب ان يكون هؤلاء ناس عندهم طهارة قلب عالية نظافة القلب والعين واللسان ونظافة الفكر هؤلاء الناس النظيفين قربهم منك لان النظيف لا يصدر منه قاذورة ، كل مكيدة قاذورة وكل كذب وفكرة مسمومة هي قاذورة كل شحناء وبغضاء تلقيها في قلب المسؤول تجاه شعبه ومن هو مسؤول عنهم هي قاذورة ، والانسان الورع انسان نظيف وطاهر لا تصدر منه هذه القاذورات ، فاذا تريد يا مسؤول ان تكون بيئتك نظيفة ،البيئة النفسية والمعنوية  عليك ان تختار بطانة وجماعة قريبة منك يشيعون الاطمئنان وحب الخير يشيعون السلام والوئام يشيعون حب الآخر وليس بغضا في قلبك هكذا تختار من الناس ،في موقع آخر يقول علي (ع) " إنما الورع ان تطهر عن المعاصي " ترى نفسك غريب عن المعصية والبيئة الملوثة ، الكبير بعظم النفس وسعة النفس ، حاول ان تجعل يا مسؤول بطانتك والمحيطين بك انفسهم كبيرة وطاهرة " عليك بالورع فانه خير صيانة " الورع أفضل درع وأفضل صيانة لك ، الورع هو الدرع الواقي الذي يجنب الانسان من الوقوع في الحرام والمعصية .
في نهج البلاغة الحكمة 371 " لا معقل أحسن من الورع " الورع هو هذا الملجأ الصحيح الذي من خلاله نحافظ على أنفسنا من المخاطر ، مخاطر الذنوب والآثام والمعاصي والسوء التي قد تطالنا وتصيبنا ، اذا من اهم الصفات والسمات لمن يحيط بالمسؤول هو الورع ، الورع عن محارم الله .

الصفة الثانية ... الصدق
" اختر أخلاء وأصدقاء صادقين  ، يصدقوك القول ولا يقولون لك خلاف الواقع ولا يفسرون لك الأمور تفسيرات خاطئة ولا يغرروك ، لان من شان ذلك فقدان ثقة الشعب به وما هي الفائدة ان كان مسؤولا لشعب او امة من الناس او مسؤول عن مصنع او دائرة او اي مستوى من مستويات التصدي ، لانه وكما قلنا ان منظومة الادارة والقيادة في الاسلام لا تختص بالزعماء والامراء والوزراء فقط بل هي تمتد لكل من يتحمل  المسؤولية وصولا الى رب الاسرة حينما يكون مسؤولا عن عائلته ، يجب ان يوفر هذه المواصفات بحجم مسؤوليته وكلما توسعت المسؤولية كلما لزم توفر هذه المعايير بشكل اكبر وأوضح . الصدق مسالة اساسية وضرورية .
" الصدق صلاح كل شيء " مفتاح الصلاح في كل الامور هو الصدق " والكذب فساد كل شيء " اذا بدأ الانسان يقول خلاف الواقع في مسألة معينة من يضمن انه يصدق في المسالة الثانية ، اذا كذب في شيء قد يكذب في كل شيء ، اذا كذب لا تثق به ، اذا زالت الثقة لا تستطيع ان تعتمد عليه وتتفاهم او تتواصل معه ، اذا زالت الثقة يصبح التواصل عملية معقدة جدا .
عن علي (ع) في نهج البلاغة الخطبة 86 " الصادق على شفا منجاة وكرامة " في محطة انطلاق نحو النجاة والرفعة والكرامة ، الناس تثق به ، اذا تكلم بكلام الناس تثق به ، لا يعطي الكلمة بسهولة ولكن اذا اعطاها يلتزم بها ، هذا هو الصادق ، " والكاذب على شرف مهواة ومهانة " ومن يكذب فكأنه يرمي نفسه الى الهاوية ويعرض نفسه للمهانة والإذلال لان حبل الكذب قصير ، من يكذب يتعلم على الكذب وسوف ينسى ماذا قال قبل قليل ، اما الصادق ينطلق من الحقيقة والحقيقة لا تتغير وجوابه وكلامه اليوم وبعد 10 سنوات واحد لانه صادق ويتحدث عن الحقيقة فمن يبني على الصدق تكون كلمته واحدة ومن يبني على الكذب يتكلم بكلام متناقض ولن تعرف الصدق منه ويعرض نفسه الى المهانة والهاوية .
عن رسول الله (ص) " لا تنظروا الى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج " فهذا لا يكفي والكثير من الناس تصلي وتصوم وتحج ، " والمعروف " بعض الاحسان الذي يقدموه ، ربما يقدم البعض المعروف ليس قربة الى الله وانما لدوافع أخرى ، فالمعروف وحده غير كافي " وطنطنتهم بالليل " لا تغرك الطنطنة ولا يقول مناجاتهم لان المناجاة منقبة عظيمة ، البعض يطنطن لقلقة لسان عادة عنده ، ليس كل من يقوم الليل يحظى بتلك المقامات العالية ، " ولكن انظروا الى صدق الحديث وأداء الأمانة " اذا كان حديثه صادق فهو المحك ، يؤدي الأمانات الى أهلها فهو المعيار هنا الاختبار العسير ، يقول الصدق حتى لو كان على خلاف مصالحه ويؤدي الأمانة حتى لو كان ليس هناك وثيقة عليها ، اذا صدق الحديث وأدى الأمانة فهذا هو الإنسان الذي يمكن ان يوثق به .

الكذب دليل على انحطاط خلقي ومهانة نفسية ...
عن الإمام الصادق (ع) الكافي ج2 ص 104 " لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم فان الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش" ، يتعود الإنسان على الصلاة وإذا لم يصلي يوم واحد يستوحش وكأنه نسي شيء ، فالعادة شيء والملكة الأخلاقية التي ترفع من مكان الإنسان شيء آخر ، " ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة " هذا الاختبار العسير اذا صدقوا واذا كذبوا .
أمير المؤمنين (ع) نهج البلاغة كلام 16 حينما خطب بالناس بعد أن بايعه الناس خليفة للمسلمين  " ذمتي بما اقول رهينة  عهد اقطعه معكم  وأنا به زعيم ، ( قال اشياء كثيرة ) والله ما كتمت وشمة " وشمة كلمة حقيقة ، الوشمة كالوشم على الجلد ، الابرة حينما تغرس هذه وشمة بتعددها يصبح وشم ، حقيقة بقدر رأس الابرة ما كتمتها عليكم ، ليس عندي وجهين انا علي بن ابيطالب ظاهري وباطني واحد ، مكر وخداع والتفاف هذا ليس عندي  " ولا كذبت كذبة " لا اقول خلاف الحقيقة .
عن رسول الله (ص) " لا يكذب الكاذب الا من مهانة نفسه عليه " الكاذب لا يكذب الا حينما يكون عنده شعور بالمهانة والانحطاط النفسي الداخلي ونفسه مهينة عليه فلذلك يكذب وهذا تحليل نفسي يحلله امير المؤمنين للكذب ، على الانسان ان يعترف بالخطأ والاعتراف بالخطأ فضيلة واذا كان كلامه صواب الانسان يفتخر ان يقول ما قاله وكان في محله ، الكذب دليل على انحطاط خلقي ومهانة نفسية هكذا يقول رسول الله (ص) .
في رواية عن رسول الله(ص) "  ان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار " من يكذب مرة سيكررها مرتين وثلاث وتتحول الى سجية في حياة هذا الانسان " ، لذلك يقول الامام العسكري (ع) في البحار ج78 ص377 " جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب " من يكذب فتح باب الخبائث كلها على نفسه " لذلك الورع والصدق صفتين أساسيتين لمن يختاره المسؤول من بطانة وجماعة تحيط به .

http://www.ammaralhakeem.com/ar/news/5930